الرئيسية / مقالات / جدلية الحق كإمتياز للقوة

جدلية الحق كإمتياز للقوة

 

كاتب وناشط سياسي بلال صالح العريضي


تتمثل الجدلية التي يخشى الأخلاقيون الاعتراف بها في أن الحق بلا قوة تحميه ليس في الواقع سوى تمنيات. ففي هذا الوجود، لا يُعد الحق قيمة سماوية أو إنسانية تفرض نفسها تلقائياً، بل هو إرادة يفرضها المنتصر صياغةً وتطبيقاً. إن المناداة بالحق في عالم تحكمه موازين القوى ليس فضيلة، بل أقرب الى السذاجة، لأنك تطلب من الذئب أن يلتزم بقوانين الحمل، في حين أنه هو من صاغ تلك القوانين لتشريع حكمه.

إن القوة هي الرحم الذي يولد منه الحق، فالحق الضعيف يُنسى ويُصبح مأساة أو نكبة، بينما الحق القوي يُصبح “قانوناً” و”تاريخاً” وواقعاً مفروضاً. فالتاريخ لا يكتبه المحقون بدموعهم وضعفهم، بل تخطّه يد القوي الذي يمتلك القدرة على فرض روايته وتحويلها إلى حقيقة مطلقة.

إذا تأملنا في مسار التاريخ، فإن السيد المسيح قدم أعظم منظومة قيمية (الحق المطلق، المحبة، التضحية)، لكن النتيجة المباشرة كانت الصلب والاضطهاد. لم تتحول المسيحية من طائفة مطاردة إلى إمبراطورية عالمية إلا عندما تبناها الإمبراطور قسطنطين وفرضها بقوة السلاح، وعندما انطلقت الحملات الصليبية لاحقاً لتثبيت الأركان بالحديد والنار. الحق المسيحي انتصر “سياسياً” و”جغرافياً” بفضل السيف، لا بفضل “إدارة الخد الأيسر”.

والأمر نفسه بالنسبة لرسول الله النبي محمد (صلى الله عليه)، فالسيرة النبوية تُقدم نموذجاً حياً لهذه الجدلية. في مكة، كان النبي يحمل “الحق المطلق” في دعوته، لكنه واجه الاضطهاد والتنكيل والتهجير ولم يتحول الإسلام من دعوة يحملها أفراد وجماعة صغيرة إلى دولة وأمة قادرة على البقاء إلا بعد الهجرة إلى المدينة وتأسيس القوة الرادعة.
فالحق الإسلامي لم ينتصر تاريخياً وجغرافياً بمجرد الإقناع الفكري في مكة، بل انتصر في “بدر” و”الخندق” وصولاً إلى “فتح مكة”. القوة هي التي حوّلت المسلمين إلى قوة تفرض نظاماً جديداً وبالتالي حقاً جديداً ساد لقرون.

كذلك الحال مع فلاسفة التنوير أمثال روسّو وفولتير؛ فرغم أحقية ورقي أفكارهم حول “حقوق الإنسان”، لم يستجب الحكم لذلك الترف الفكري. لم يتحول الحق في الحرية إلى واقع إلا عندما عُمّدت الأفكار بدماء النبلاء تحت سكين المقصلة. لولا قوة الغوغاء والفوضى وعنف الشارع في الثورة الفرنسية، لبقيت حقوق الإنسان التي انطلقت من فرنسا مجرد حبر على ورق.

وحتى في زوايا المجتمع الضيقة، كم من ثري تملص من جرائم كالقتل، او الاغتصاب، او الاستيلاء وغيرها حين كان الغريم فقيراً ضعيفاً، ورغم إدراك المجتمع في قرارة نفسه لهوية المخطئ، إلا أن إرادة القوي هي من فرضت في النهاية الحكم النهائي، سواء عبر تسويات الإذعان، التنازل، أو استسلام الضعيف لإرادة القوي.

أما “حقوق الإنسان” و”القانون الدولي” فهما أدوات يوظفها القوي بإنتقائية وازدواجية معايير بحسب مصالحه ليُهذب ويروّض بها الضعيف ويحكمه، وذريعةً يُشرعن بها إخضاع الضعيف لسلطة موازين القوى تحت مسميات براقة. فهل رأيت دولة نووية تُساق إلى منصات القضاء الدولي؟ حتى حين استعملت هذا السلاح!؟ إن القانون الدولي لا يطال الأقوياء، بل طُبق على قلة قليلة من الحاكمين بمجرد زوال غطاء القوة عنهم.

وتبرز القضية الفلسطينية كأقوى مثال على الحق في وجه القوة، فالحركة الصهيونية لم تكتسب اعترافاً دولياً بـ “حقها” المزعوم بأرض الميعاد في فلسطين لأن كتبهم الدينية قالت ذلك، فالكتب موجودة منذ آلاف السنين، بل اكتسبته عندما امتلكت التنظيم العسكري، الدعم المالي والدولي، والتحالفات الاستراتيجية مع دول القوى العظمى.
فالعالم اليوم يتعامل مع هذا الكيان كأمر واقع ليس لأن روايته هي “الأصدق” أخلاقياً، بل لأنه يمتلك ترسانة نووية وقوة عسكرية وتقنية ودعم الدول القوية.
وتكمن المفارقة أن الفلسطيني يمتلك “الحق الأخلاقي” وحتى القانوني من خلال قرارات الأمم المتحدة واعترافات دول كثيرة بشرعية هذا الحق، لكن هذا الحق يظل وجهة نظر في أروقة السياسة لأنه يفتقر إلى تكافؤ القوة الذي يجبر العالم على تنفيذه. فالعالم لا يسأل “من هو صاحب الحق؟” بل يسأل “من هو القوي بما يكفي ليجعل حقّه واقعاً لا يمكن تجاوزه؟”.

وأتى النموذج الإيراني أيضاً تكريساً وتأكيداً على جدلية “أن الحق لا يكون حق الا بمقدار ما تدعمه من القوة” (أنطون سعادة)، من خلال فرض حقها بالسيطرة على مضيق هرمز بالقوة وفرض حقها بإمتلاك التكنولوجيا النووية وحقها بالدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية والاعتداءات التي تطال مصالحها وبنيتها التحتية.

إيران في مضيق هرمز تمارس حقاً سيادياً انطلاقاً من حق القوة الوجودية الذي ربما بالمعنى القانوني خاضع للجدل والنقاش، لكن في منطق الصراع الحالي، حق إيران في إغلاق المضيق أو السيطرة عليه أصبح سلاحاً قوياً، فإيران تدرك أن شرعيتها الدولية لا تستمدها من اعتراف واشنطن، بل من قدرتها على إمساك عنق العالم طاقوياً. هنا، يصبح الحق في السيادة موازياً للقدرة على المنع، فمن يمتلك الصواريخ على ضفاف المضيق، هو من يكتب قانون الملاحة فيه، وما القوانين الدولية إلا صدى لعجز الأقوياء عن تأمين بديل.

بينما أمريكا وإسرائيل هنا لا تبحثان عن إعادة الحق بقدر ما تبحثان عن استعادة الهيبة التي كُسرت. إسرائيل ترى في قوتها العسكرية حقاً في الأمن المطلق يبيح لها تجاوز سيادة الدول، بينما ترى إيران في حق الدفاع والسيطرة وسيلةً لفرض توازن رعب جديد.
هذا الصراع يثبت أن العدل في الشرق الأوسط قد مات وشبع موتاً، وحل محله توازن القوة والألم، فالحق اليوم لمن يستطيع أن يؤلم خصمه أكثر، وصمود إيران في وجه الترسانة التكنولوجية الغربية ليس نابعاً من عدالة قضيتها في نظر العالم، بل من استحالة سحقها دون انتحار جماعي للمصالح العالمية.

أما الجنوب اللبناني فهو أوضح تجسيد فلسفي يكسر “منطق الذئب على الحمل”، فلبنان تاريخياً كان يُوصف بأنه “قوي في ضعفه”، وهي مقولة أخلاقية سحقتها التجربة الواقعية، لتثبت أن لبنان لا يكون حقاً إلا بمقدار ما يمتلك من أنياب ومخالب في جنوبه.
لسنوات، اتكأ لبنان على “القرار 425” والمناشدات الدولية لاستعادة أرضه، فكان الرد الإسرائيلي هو الإمعان في الاحتلال والغطرسة، لأن الحق الورقي لا وزن له أمام القوة العسكرية. إن المقاومة في الجنوب لم تستعد الأرض لأنها “مُحقة” فحسب، بل لأنها حوّلت هذا الحق من قيمة أخلاقية مستجدية إلى كلفة مادية وبشرية لا يطيق العدو احتمالها. هنا، القوة لم تكن عدواناً، بل كانت الولادة القيصرية لحق لبنان في الوجود والسيادة.
اما في الحرب الاخيرة وما نراه من مواجهة، يؤكد لنا أن ما يحمي قرى الجنوب وسكانه ليس “الخط الأزرق” ولا “قوات اليونيفيل” ولا حتى اتفاقات الضعف، بل هو توازن الألم. إن حق اللبناني في العيش بأمان على أرضه لم يعد يُستجدى من عواصم القرار، بل يُنتزع من خلال القدرة على جعل أمن الشمال الإسرائيلي رهينة لأمن الجنوب اللبناني. هذا هو الجوهر الثوري: لقد انتقل لبنان من دولة تطلب الحماية إلى قوة تفرض الردع.
الجنوب اللبناني اليوم ليس مجرد تضاريس، بل هو جغرافيا مسلحة بالعقيدة. إن إسرائيل، برغم تفوقها التكنولوجي، تصطدم بحقيقة أن القوة المادية (سلاح الجوي والذكاء الاصطناعي) قد تستطيع التدمير، لكنها لا تستطيع سحق القوة الروحية المنظمة التي يمتلكها صاحب الأرض. الحق اللبناني اليوم صار له صوت مسموع فقط لأن الصاروخ والمسيرة للمقاومة يمنحانه الصدى اللازم في أروقة السياسة الدولية.

إن تجربة الجنوب هي الرد العملي على كل من ينادي بالحق في ظل عالم القوة، فلو لم يمتلك لبنان قوة تردع الأطماع الإسرائيلية رغم الدمار الحاصل، لكان جنوبه اليوم عبارة عن مستعمرات تُسمى بغير أسمائها، ولكان الحق اللبناني مجرد شكوى في أدراج الأمم المتحدة يعلوها الغبار.
لقد أثبت الجنوب أن السيادة ليست اعترافاً يمنحه القوي للضعيف، بل هي انتزاع يفرضه المقاوم على الغاصب.

الحق هنا هو امتياز القوة، فإذا كنت قوياً، ففي الأغلب أنت على حق دائماً، وإذا كنت ضعيفاً، فحقك هو وجهة نظر قابلة للنقاش، التجاهل او حتى السحق حين لن يسمح لك بالتعبير عن رأيك ووجهة النظر هذه.

ويأتي الموت السريري للحق عندما تصل الشعوب إلى قناعة بالعجز نتيجة التفوق الذي يمتلكه العدو او الخصم، نحن لا نتحدث هنا عن هزيمة عسكرية فقط، بل عن هزيمة وجودية هي الأخطر على الإطلاق، فعندما يتنازل شعب عن حقه رغم قناعته به، فإنه يوقع على وثيقة خروجه من التاريخ. فالواقعية تقول إن القوي لن يكتفي بأخذ الأرض أو الموارد، بل سيسعى لانتزاع الاعتراف من الضحية. لأن اعتراف الضعيف بشرعية القوي هو الذي يحول الاغتصاب إلى حق قانوني. الاستسلام هنا ليس حقناً للدماء فقط، بل هو منح الظالم صك براءة تاريخي.

هنا الحديث عن التنازل والاعتراف الذي قد يصل الى حد تبني رواية العدو أو القبول بأن الحق كان خطأً أو عبئاً. هذا هو الغباء الذي ينهي القضية للأبد ويورث الأجيال القادمة ذلاً شرعياً. غالباً ما يُغلف هذا التنازل بغلاف الواقعية أو العقلانية ك”نحن لا نملك القوة، لا نستطيع المواجهة، لا نريد الموت”. لكن في منطق القوة، التنازل تحت الضغط لا يولد السلام، بل يولد مزيداً من الطمع. القوي الذي يراك تتنازل عن حقك اليقيني لمجرد عجزك، لن يحترم عقلانيتك، بل سيعتبرها ضوءاً أخضر لفرض المزيد من الإذعان.

الاعتراف بالهزيمة العسكرية او المادية هو واقع، لكن التنازل عن الحق هو خيانة للحق. بينما رفض الاعتراف هو قوة من نوع آخر تحافظ على كرامة الشعوب وتاريخها ويجعل احتلال القوي قلقاً وغير مستقر. فالحق لا يموت بموت أصحابه، بل يموت باعترافهم بأنه لم يعد حقاً.

وبالعودة لمبدأ الحق كإمتياز للقوة، فإن المناداة بالحق في وجه القوة الغاشمة دون امتلاك أدوات ردع هي دعوة للانتحار الانساني، بل حتى الأخلاقي، العالم لا ينصت للمظلومين لأنهم على حق، بل ينصت لهم عندما يمتلكون القدرة على إحداث ضرر إذا لم يُعطوا حقهم.

تبدو هذه الجدلية صادمة لفطرتنا الانسانية وربما تنسف اركان العدالة والقانون، لكنها الحقيقة والواقع الذي نعيشه في المجتمع وفي العمل، في الدول وبين الدول، بل وتحكم العالم دولاً ومجتمعات.

بقدر ما تبدو صادمة هذه الافكار هي ليست دعوة لحكم شريعة الغاب أبداً، بل دعوة للإدراك بأن السلام القائم على المثالية والقيم الانسانية وحقوق الانسان هو وهم سرابي، فالسلام الحقيقي هو حالة تعادل في القوة تمنع الاعتداء. حين نسعى للقوة، فنحن لا نسعى اليها بهدف الاستبداد، بل لنمنح حقنا الكامن شرعيةً ووجوداً، ونحرره من زنزانة الضعف والاستجداء، فالحق الذي لا تحميه القوة هو باطل في منطق الواقع.


شاهد أيضاً

استهداف بيروت.. رسالة إخضاع للبنان!

ماذا تريد “اسرائيل”؟ ولماذا تعمل جاهدة على فصل الجبهة اللبنانية عن الايرانية؟ وهل يمكن للمجازر …