الرئيسية / مقالات / التجارة في سوق الإعلام

التجارة في سوق الإعلام

 

كاتب صحافي وناشط سياسي بلال صالح العريضي


الإعلام هو العين التي يرى بها المواطن والسلطة الرابعة التي يفترض أن تراقب السلطة السياسية وتنقل الخبر والحقيقة كما هي، إلا أنّ الواقع الحالي، يكشف عن انحراف خطير وخصوصاً في الفترة الأخيرة، حيث تحوّل بمعظمه من وسيلة لنقل الخبر الى غرف عمليات ومختبرات لاختلاق حقائق بديلة، غبّ الطلب، تحوّر الرأي العام. هذا أتى كنتيجة مباشرة لتغلغل المال السياسي، جعل بعض الإعلام يتحوّل إلى سلطة قوية، لكن مرتهنة، انحيازية ومسلوبة الاستقلالية ممكن أن تصنع واقعاً زائفاً يخدم الباطل على حساب الحقيقة.

الجذور التاريخية
للإعلام كسلطة لـ “الأقوى”
أدرك الحكام منذ فجر التاريخ أنّ السيطرة على العقول هي أقوى أداة لتطويع الشعوب. في مصر القديمة، استخدم رمسيس الثاني الإعلام من خلال نقوش في المعابد حوّلت انسحابه في “معركة قادش” إلى نصر أسطوري يرسخ حكمه، أما نابليون بونابرت فكان أوّل من أدرك خطورة الإعلام ونُقل عنه قوله إنّ “أربع صحف معادية تمثل تهديداً يوازي أعتى الجيوش”. وفي العصر الحديث، نَقل “إدوارد بيرنايز”، اليهودي النمساوي المعروف بـ “أبو البروباغندا” ومخترع “علم الخداع”، هذا التلاعب إلى مستوى علمي آخر في الولايات المتحدة، أهمّها حين استخدم المال أداة إعلامية للتسويق لشركات التبغ رابطاً التدخين بالحرية النسوية، محوّلاً بذلك منتج مضر بالصحة إلى رمز للتحرّر. ومع ظهور الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، جسّد جوزيف غوبلز في ألمانيا النازية مثالاً صارخاً للإعلام الموجه.


النموذج الأميركي:
هندسة التضليل الموجَّه
في الولايات المتحدة، كان الإعلام الأميركي أقوى أدوات التسويق لسرديات غزو العراق عام 2003 بناءً على أكاذيب أسلحة الدمار شامل، وأهمّ أدوات السلطة لتبرير الانحياز المطلق لسياسات أميركا في الشرق الأوسط ولـ “الحق” المزعوم للكيان الإسرائيلي في وجوده وفي الدفاع عن نفسه. ويقوم الإعلام الأميركي بتسويق الحقائق والأكاذيب معاً، ونموذج الحكم الحالي أوضح مثال، حيث تحوّلت شبكات مثل “فوكس نيوز” و “نيوز ماكس” إلى منصات تلميع وتبرير للرئيس ترامب وسياساته، تحوّل أيّ انتقاد له إلى أخبار كاذبة وملفقة. وفي المقابل، يقوم الإعلام المعارض مثل “سي أن أن” أم “أس أن بي سي” بتبنّي معارضة أيديولوجية لترامب وتحوير تصريحاته وتأطير الأزمات بما يتناسب مع توجهات الحزب الديمقراطي، مما جعل المواطن الأميركي يعيش في فقاعة معلومات تمنعه من رؤية الحقيقة المجردة.

الواقع اللبناني…
متاريس وارتهان وتحوير وتحريض
أما في لبنان، فلا وجود لإعلام دولة بالمعنى المهني، بل حالة فريدة من الإعلام المنحاز والمسيس، فالمؤسسات الإعلامية اللبنانية، التي عانت من أزمات مالية متعاقبة، أصبحت تعيش كلياً على المال السياسي المحلي والإقليمي. هذا المال حول الشاشات اللبنانية إلى متاريس ومنصات اشتباك، أصبحت الحقيقة فيه وجهة نظر، فما تراه قناة خيانةً، تراه قناة أخرى وطنيةً، وذلك بناءً على التوجه السياسي والتزاماً بسياسة مموّلي القناة. لقد تحوّل الإعلام اللبناني من سلطة رقابية إلى أداة تسويق وتحريض، مالي، حزبي، سياسي، ودرع واقٍ للزعماء والقوى الإقليمية، تُستخدم برامجه و”السكوبات” الصحافية فيه لابتزاز ومهاجمة الخصوم أو تصفية الحسابات أو ترويج لسياسات معينة، بدلاً من نقل الواقع كما هو.
أما الدور الأخطر للإعلام فيبرز واضحاً في الحرب الحالية التي يشنّها العدو الإسرائيلي على لبنان من خلال تحوير الرأي العام حيث تلعب بعض وسائل الإعلام دوراً مشبوهاً ومثيراً للشكوك عبر تبنّي سردية العدو بطريقة مباشرة وغير مباشرة. هذه السردية الإسرائيلية التي تقوم بشيطنة فئة كاملة من الشعب والجغرافيا اللبنانية وتضرب القرى والبيوت المدنية والمدارس والمستشفيات مدّعية ضربها كونها أهدافاً عسكرية عدائية. والأدهى من ذلك، هو انزلاق بعض التغطيات الميدانية إلى أسفل درك عبر تقديم معلومات وإحداثيات “بريئة”، تخدم العدو استخبارياً وتمنحه مبرّرات واهية لاستهداف منشآت ومدنيين، مما يضع هذه الوسائل في خانة الشريك غير المباشر في القتل والعدوان.
وتتجلى خطورة دور الإعلام اللبناني واضحة في ازدواجية المعايير الفاضحة التي تمارسها بعض الشاشات المحلية، حيث يتمّ تكييف المصطلحات الوطنية وفقاً لأجندتهم السياسية لا وفقاً للدستور أو الانتماء. ففلسطين تمّ استبدالها بـ “إسرائيل” على خرائط بعض القنوات، في الوقت الذي يشدّد القانون والدستور اللبناني على عدم اعترافنا بـ “إسرائيل” ووجوب تعريفها بمصطلح “العدو”، فتقوم بعض وسائل الإعلام بتجاهل هذه التفاصيل عن قصد. كما تنزع صفة “الشهادة” عن ضحايا الحرب مع العدو الإسرائيلي، مستبدلةً إياها بـ “قتلى” في استنساخ بائس لأدبيات الإعلام الغربي والأجنبي. ومن جهة أخرى يتمّ التركيز على أحداث معينة بانتقائية أو إثارة نعرات طائفية داخلية بطريقة استفزازية تقوّض العيش المشترك في وقت يحتاج فيه الوطن للوحدة. هذا الإعلام لا يعكس معاناة النازح أو صمود المقاتل، بل يحاول هندسة الهزيمة في العقول، رمي التهم، تحميل المسؤولية للمعتدى عليه، تضخيم الخسائر وحتى تبرئة الاحتلال من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية.

نقطة ضوء
ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك نخبة صامدة من الإعلام الصادق، تمثله أقلام حرة ووسائل إعلامية، بعضها مستقلّ، تتمتع بمهنية ومسؤولية إعلامية وبحسّ وطني، غالباً هذه الوسائل والأقلام ما تدفع أثماناً باهظة من تضييق أو ملاحقة معنوية بسبب رفضها بيع ضميرها امتثالاً أو ارتهاناً من أجل تزييف الحقيقة. إنّ وجود هذا الإعلام الصادق هو ما يمنع سقوط المجتمع في الجهل الكامل وجعله أسيراً لسرديات وأكاذيب الباطل.
إنّ ما يحتاجه لبنان اليوم ليس إعلاماً محايداً في الوطنية، فلا حياد بين المعتدي والمعتدى عليه ولا حياد بين الحق والباطل، بل يحتاج إعلاماً وطنياً مستقلاً يتحرّر من قيود المال السياسي والارتهان للخارج، ويرتكز على الاستقلال المالي والمسؤولية الوطنية التي تقدّم مصلحة لبنان العليا وشعبه على الدور الصحافي المثير للفتنة أو الخادم للعدو، ويعلي الحقيقة الموثقة بإعلام مهني يتحدث لغة وطنية حقيقية، لا لغة تحريضية فتنوية.
في الختام، يبقى الإعلام وسيلة لنقل الواقع وتوثيق الحقيقة، لكن إنْ اقترن بالتبعية والتمويل السياسي والخارجي أصبح سلاحاً للدمار الشامل للمجتمع والوطن، وإنْ تمتع بالروح الوطنية والمسؤولية أصبح حصناً يحمي الحقيقة ويصون كرامة الأوطان…

شاهد أيضاً

عون أمام خيارات دقيقة ومعقدة

يقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون امام خيارات دقيقة ومعقدة للغاية، بعدما اشارت مصادر مطلعة …