
بقلم زياد العسل
مع تسارع الأحداث يومًا بعد يوم، تزداد قناعتي بأننا نعيش فعلًا زمن الأبواق؛ زمن المسترزقين والمنبطحين على أبواب هذه الجهة أو تلك، أولئك الذين أتقنوا فنّ “تمسيح الجوخ” بكل أشكاله، حتى باتوا يبدّلون قناعاتهم كما يبدّلون كلماتهم على الهواء.
كأنّ هؤلاء كانوا ينتظرون هذه المرحلة تحديدًا، ليُفرغوا كل ما يملكونه من موهبة في الرياء والانبطاح، سواء عند القوى السياسية أو حتى على أبواب السفارات الخارجية. لكن الحقيقة، مهما طال الزمن، تفضح كل من امتهن تجارة تبديل المواقف وركوب الموجة، فيتحوّل من “نجم شاشة” كما يتوهّم، إلى مثال حيّ للإعلام المزيّف والبوق المهترئ. فلو كان للشاشة روح، لتقيّأتهم واحدًا واحدًا.
أحدهم، يطلّ علينا بين الحين والآخر، كأنّه مُرسلٌ من عالم آخر للدفاع عن حرية لبنان وسيادته، فيصرخ بوضوح النفاق والرياء عن ضرورة “عودة لبنان إلى نفسه” بعد ما يسميه اختطاف الدولة. لكنه هو نفسه كان بالأمس القريب يطبّل ويزمّر للفريق السياسي ذاته الذي يهاجمه اليوم، ويعتبره خطرًا وجوديًا على البلاد.
وعلى جبهة أخرى، هناك من يؤذي حتى الفريق الٱخر الذي ينتمي إليه، بصراخه واستعلائه واستعراضه التلفزيوني الدائم، فيقدّم، من حيث يدري أو لا يدري، خدمة مجانية للفريق المقابل.
فلا أحد يستطيع تحمّل هذا الكمّ من الغرور والعجرفة، حتى إنّ المخرج نفسه، لو استطاع، لأطفأ الكاميرا هربًا من السمّ المتطاير على طاولة النقاش.
حقًّا، إنها مهزلة أن يتحوّل بعض هؤلاء إلى أسياد الشاشات وعصب الإعلام في لبنان، وأن يُقدَّموا للرأي العام على أنهم أصحاب قضية ورأي، فيما هم في الحقيقة أصحاب مصالح، يتقنون نقل البندقية من كتف إلى آخر بحسب اتجاه الريح وحجم التمويل.
قال أحد كبار الصحافة اللبنانية يومًا: “علّمتني الحقيقة أن أقول عكسها فما استطعت”. وأنا أردد مع هذا الكبير: لم تعد أقلامنا وعقولنا تحتمل يوميات سياسية تملؤها الأبواق المنبطحة، التي تغيّر مواقفها تبعًا لجيوب الدافعين.
رصد نيوز