
لم تكن “التفاهمات” الأميركية-الإيرانية الأخيرة مجرد محطة سياسية هامشية في سياق حرب الأربعين يوماً، بل جاءت بمثابة لحظة كاشفة لسقف القوة الأميركية وحدود القدرة “الإسرائيلية” على فرض الوقائع بالقوة العسكرية وحدها. ولهذا تحديداً، بدا المشهد مرتبكاً داخل معسكر طالما اعتقد أن الولايات المتحدة قادرة، متى أرادت، على إخضاع الخصوم وكسر التوازنات وإعادة رسم خرائط المنطقة وفق إرادتها المنفردة.
الصدمة لم تكن في فقط توقف الحرب، بل في الطريقة التي توقفت بها. فالكثير من الأصوات التي رفعت سقوف التوقعات إلى حد الحديث عن “الاستسلام الإيراني الوشيك”، وجدت نفسها أمام مشهد مختلف تماماً: واشنطن تبحث عن مخارج سياسية، وطهران تتفاوض من موقع الصمود لا من موقع الانكسار، فيما “إسرائيل” تبدو أكثر قلقاً من أي وقت مضى، لأنها تدرك أن الحرب التي دخلتها على قاعدة تغيير الشرق الأوسط، انتهت إلى تكريس حقائق أكثر تعقيداً وخطورة بالنسبة إليها.
على مدى أسابيع طويلة، جرى الترويج لفكرة أن الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق في المنطقة، من حاملات الطائرات إلى القواعد الجوية وأنظمة الدفاع، لا يمكن أن ينتهي إلا بضربة ساحقة تُعيد إيران عقوداً إلى الوراء. لكن ما جرى فعلياً، أن فائض القوة العسكرية اصطدم بصلابة سياسية واستراتيجية لم تكن محسوبة بدقة في غرف القرار الأميركية والإسرائيلية.
هنا تحديداً، يمكن فهم حالة الإحباط التي أصابت حلفاء واشنطن في المنطقة. هؤلاء لم يبنوا رهاناتهم على معطيات واقعية بقدر ما بنوها على رغبات سياسية وأوهام أيديولوجية. كانوا يتعاملون مع الولايات المتحدة بوصفها “قدراً تاريخياً” لا يمكن ردعه أو استنزافه، فيما تعاملوا مع “إسرائيل” كقوة مطلقة قادرة على الحسم متى قررت ذلك.
لكن الحرب الأخيرة كشفت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة الانتصارات الكبرى، وأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بقدرة الدول والمجتمعات على امتصاص الضربات، وإدارة الاستنزاف، والصبر الطويل، والحفاظ على تماسك القرار السياسي.
إيران نجحت في منع خصومها من تحقيق أهدافهم الكبرى؛ وهذا بحد ذاته تحوّل استراتيجي بالغ الأهمية. فالولايات المتحدة دخلت المواجهة وهي تتحدث عن تغيير قواعد الاشتباك في المنطقة، وعن إنهاء نفوذ طهران الإقليمي، وعن تفكيك شبكة الحلفاء الممتدة من لبنان إلى اليمن والعراق وغزة. لكنها خرجت وهي تبحث عن “اتفاق إطار”، وتؤجل الملفات الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة، وتتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة لا تملك ضمانات حقيقية للتحكم بنتائجها.
أما “إسرائيل”، فقد وجدت نفسها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أمام سؤال وجودي يتعلق بجدوى القوة ذاتها. فالحرب الممتدة على أكثر من جبهة، من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران، أظهرت أن “تل أبيب” باتت أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على المظلة الأميركية، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً أيضاً.
ولهذا بدا نتنياهو في الأسابيع الأخيرة أقرب إلى رجل يطارد حربه الخاصة، فيما كانت واشنطن تعيد حساباتها بهدوء. الفجوة بين الطرفين لم تعد قابلة للإخفاء، حتى داخل الإعلام الغربي و”الإسرائيلي” نفسه. فالتقارير والتحليلات التي تتحدث عن “الفشل الاستراتيجي” للحرب، وعن حدود القوة “الإسرائيلية”، لم تعد تصدر فقط عن خصوم “إسرائيل”، بل عن مؤسسات ومراكز أبحاث وصحف كانت حتى الأمس القريب تُعد جزءاً من ماكينة الدفاع عن السياسات الأميركية و”الإسرائيلية” في المنطقة.
المفارقة أن أكثر من أصيب بالارتباك، لم يكونوا خصوم واشنطن، بل حلفاءها. فهؤلاء بنوا خطابهم السياسي والإعلامي طوال السنوات الماضية على فكرة أن المشروع الأميركي لا يُهزم، وأن أي قوة تحاول تحديه ستنتهي عاجلاً أو آجلاً إلى السقوط أو العزلة أو الانهيار.
وعندما بدأت واشنطن بالبحث عن التسويات، شعر كثيرون منهم بأن الأرض تهتز تحت أقدامهم؛ لهذا انتقل بعضهم من مرحلة التبشير بالحرب إلى مرحلة الغضب من الولايات المتحدة نفسها، بل استعانوا بمفردات طالما سخروا منها، من قبيل “المتغطي بأميركا عريان”، والدعوة إلى “تنويع التحالفات”، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن المصالح الأميركية لا تُبنى على العواطف ولا على الالتزامات الأخلاقية، بل على الحسابات الباردة وموازين الربح والخسارة.
في المقابل، ما زال فريق آخر يعيش داخل دائرة الإنكار، غير قادر على الاعتراف بأن الحرب انتهت إلى غير ما كان يتمنى. ولهذا يواصل التعلق بأي تسريب أو تصريح أو توتر ميداني، على أمل أن تعود واشنطن إلى خيار التصعيد الشامل، وكأن ما جرى خلال الأسابيع الماضية لم يكن كافياً لإثبات أن الإدارة الأميركية نفسها باتت أكثر حذراً من الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة.
التحولات التي كشفتها هذه الحرب تتجاوز حدود إيران ذاتها؛ نحن أمام مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، لم تعد فيها الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على فرض إيقاعه على الجميع. فالنظام الدولي يشهد تغيرات متسارعة، ومراكز القوة العالمية لم تعد محصورة بواشنطن وحدها، فيما باتت القوى الإقليمية أكثر قدرة على المناورة وبناء شبكات تحالف ومصالح تتجاوز الإرادة الأميركية التقليدية.
لهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم، لا يتعلق فقط بنتائج الحرب الأخيرة، بل بما بعدها: هل يملك حلفاء واشنطن في المنطقة القدرة على إجراء مراجعات سياسية عميقة لرهاناتهم السابقة؟ أم أنهم سيواصلون العيش داخل وهم القوة الأميركية المطلقة، رغم كل المؤشرات التي تقول إن العالم يتغير، وإن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة تماماً عن العقود الماضية؟
ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة لا يعني نهاية النفوذ الأميركي، لكنه بالتأكيد يعني نهاية مرحلة كاملة من اليقين السياسي والاستراتيجي. فالولايات المتحدة ما زالت القوة الأكبر في العالم، لكن قدرتها على فرض الإرادة بالقوة العسكرية لم تعد كما كانت، و”إسرائيل” التي حاولت الظهور كـ”قوة لا تُقهر”، خرجت من الحرب أكثر التصاقاً بالحماية الأميركية وأكثر خوفاً من المستقبل. أما الذين يرفضون التصديق، فمشكلتهم ليست في الوقائع، بل في عجزهم عن رؤية العالم كما أصبح، لا كما يريدون له أن يكون.
بقلم: د.محمد الأيوبي
رصد نيوز