
المصدر: الاخبار
وصل سعر طن الإسمنت في السوق اللبنانية إلى نحو 400 دولار، أي أكثر من أربعة أضعاف السعر الرسمي المُحدّد من وزارة الصناعة والبالغ 91 دولاراً شاملاً ضريبة القيمة المضافة. ويأتي ذلك في وقت يقترب فيه لبنان، عاجلاً أم آجلاً، من الدخول في ورشة إعادة إعمار ضخمة ستحتاج إلى ملايين الأطنان من الإسمنت لإعادة بناء المنازل المتضرّرة وترميم الطرقات والجسور وشبكات المياه والكهرباء وسائر البنى التحتية والمرافق العامة. إلا أنّ الدولة لا تزال تتعامل مع هذا الملف بعقلية إدارة الأزمة لا معالجتها، فتؤجّل القرارات وتدير التوازنات بين الاحتكار والاعتبارات البيئية، من دون وضع سياسة واضحة تضمن تأمين المادة ومنع انفلات الأسعار قبل انفجار الطلب.
فإذا كانت السوق تعاني اليوم من نقص في الكميات ومن ارتفاع كبير في الأسعار قبل بدء إعادة الإعمار، فكيف سيكون الحال عندما تبدأ الورشة فعلياً ويتضاعف الطلب على مواد البناء، ولا سيما في ظل تزايد المؤشرات إلى قرب انتهاء الحرب؟ السؤال لا يتعلّق فقط بتأمين الإسمنت، بل بكلفة إعادة الإعمار نفسها وبقدرة الدولة على منع تحوّلها إلى فرصة جديدة لتحقيق أرباح استثنائية على حساب المواطنين والخزينة العامة. ورغم أنّ وزير الصناعة جو عيسى الخوري يؤكّد، في حديث لـ«الأخبار»، استعداده لمنح إجازات استيراد لأي جهة ترغب في استيراد الإسمنت، إلا أنّه يشير إلى أنّ أحداً لم يتقدّم حتى الآن بطلبات جدّية، ما يبقي السوق عملياً محكومةً بعدد محدود من الجهات القادرة على التحكّم بالكميات والأسعار.
وهذا النقاش المستمر منذ سنوات بين وزارتي البيئة والصناعة والمؤسّسات الرسمية المعنية والشركات والناشطين البيئيين، دخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها الأساسي كيفية تأمين مواد البناء لبلد تراكمت فيه آثار التدمير جراء الاعتداءات الإسرائيلية على مدى أكثر من سنتين، من دون أن تتحوّل إعادة الإعمار نفسها إلى باب جديد لجشع التجار أو إلى عامل إضافي يؤخّر انطلاقها ويرفع كلفتها، في ظل شحّ الموارد المالية المُتاحة.
في الأيام الماضية، وقّعت وزيرة البيئة تمارا الزين التراخيص اللازمة للشركات التي أُوقفت عن العمل بسبب تجميد رخص مقالعها وإلزامها بأوامر تحصيل مالي عن الأضرار البيئية، وأحالت الملف إلى وزير الداخلية أحمد الحجار لاستكمال الإجراءات المطلوبة. إلا أنّ هذه الخطوة لن تكون كافية وحدها لمعالجة الأزمة المقبلة. فالمشكلة الأساسية لم تعد تتعلّق بعودة الشركات إلى العمل فحسب، بل بقدرة القطاع بأكمله على الاستجابة للطلب الاستثنائي المتوقّع مع انطلاق أي ورشة إعادة إعمار واسعة النطاق.
كما أنّ زيادة الإنتاج ستفرض ضغوطاً إضافية على المقالع والكسارات وما يرافقها من تداعيات بيئية، ما يضع الدولة أمام معادلة دقيقة بين تأمين مواد البناء والحفاظ على ما تبقّى من الموارد الطبيعية. غير أنّ هذا الاشتباك المستمر منذ سنوات انتهى عملياً إلى شلل في إدارة الملف، لا إلى حلّه. فالقطاع يعيش منذ سنوات بين أوامر تحصيل أتت لمعاقبة مخالفات المقالع والكسارات، لكن مع تعاقب الوزراء أُعيدت صياغتها مجدّداً، ومُنحت أذونات استثنائية مع تمديدات متكرّرة بفعل الضغوط السياسية، لينتهي الأمر إلى تجميد تطبيق المرسوم 8803 المتعلّق بتنظيم المقالع والكسارات بحكم الأمر الواقع.
الدولة تدخل مرحلة إعادة الإعمار بلا سياسة واضحة لسوق الإسمنت ومواد البناء
وما يحصل اليوم في سوق الإسمنت يشكّل المؤشر الأوضح إلى حجم الأزمة المقبلة. فقد كان يكفي أن يتوقّف عدد محدود من المقالع حتى تظهر أزمة نقص في الكميات وتبدأ لعبة رفع الأسعار. وقد وصل الأمر بشركة «ترابة سبلين»، الوحيدة التي واصلت العمل خلال الفترة الأخيرة، إلى اعتماد ما يشبه «المنصة» لتوزيع الإسمنت، إذ أصبح الحصول على المادة يتطلّب تعبئة استمارة مُسبقة وتقديم طلب للحصول على كميات مُحدّدة، في خطوة تعكس حجم النقص في السوق وتحويل مادة أساسية لورشة إعادة الإعمار المرتقبة إلى سلعة تُوزَّع وفق نظام احتكاري للحصص.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على ورشة إعادة الإعمار المُرتقبة، بل بدأت تنعكس أيضاً على حركة البناء الحالية، إذ يؤكد نقيب مقاولي الأشغال العامة والبناء اللبناني مارون الحلو لـ«الأخبار» أنّ الأسعار المرتفعة والاحتكار والسوق السوداء أدّت إلى «كرسحة البلد» حيث توقّفت حركة البناء، حتى في الورش الصغيرة، لأنّ أحداً لم يعد مستعداً لشراء الإسمنت بهذه الأسعار.
ويشير الحلو إلى أنْ لا أحد يمانع فتح باب الاستيراد بنسب مُحددة لكسر الاحتكار وتأمين المنافسة والكميات المطلوبة، معتبراً أنّ جزءاً من الأزمة الحالية يعود إلى بطء الإجراءات الإدارية المرتبطة بملف المقالع والكسارات. فالتراخيص التي يؤكد أنّها أُحيلت من وزارة الداخلية إلى المحافظات لم تُستكمل بعد، فيما طُلب من أصحاب المقالع تقديم كفالات حسن تنفيذ وتسديد رسوم إضافية، ما يستدعي اجتماعات جديدة ويؤخّر عودتها إلى العمل.
ويلفت إلى أنّ السوق تعيش هذه الأزمة منذ نحو 60 يوماً من دون التوصّل إلى حل نهائي، محذّراً من أنّ استمرار التأخير سيؤدّي إلى تفاقمها. وفي المقابل، يؤكّد أنّ الشركات الموجودة قادرة على تلبية الطلب المتوقّع خلال مرحلة إعادة الإعمار، شرط الإسراع في حلّ ملف المقالع والكسارات وإنهاء التعقيدات الإدارية التي تعرقل عودتها إلى العمل.
ولا تتعلّق المشكلة فقط بعدد الشركات المُنتِجة، بل أيضاً بطبيعة السوق نفسها وكيفية هيمنة القرار السياسي عليها. فالإسمنت في لبنان لا يزال خاضعاً لاحتكار ثلاث شركات كبرى هي «الإسمنت الوطنية» و«هولسيم» و«سبلين»، بعدما استفادت لعقود من القيود المفروضة على الاستيراد، ومُنحت عملياً قدرة شبه حصرية على التحكّم بالسوق المحلية، فيما بقيت قادرة على التصدير إلى الخارج من دون قيود.
ارتفاع أسعار الكلنكر
ازدادت أزمة نقص الإسمنت تعقيداً مع ارتفاع أسعار الكلنكر، أي المادة الأساسية المُستخدمة في صناعة الإسمنت، إذ ارتفع سعر الطن عالمياً من نحو 47 دولاراً إلى نحو 70 دولاراً. وهذا يعني أنّ خيار استيراد الكلنكر لتشغيل مصانع الإسمنت المحلية لن يكون كافياً لخفض الأسعار، بل سينعكس حكماً على الكلفة النهائية للإنتاج. فبعد احتساب كلفة الشحن والتصنيع والتشغيل، سيقترب سعر الطن الجاهز من حدود 90 دولاراً، أي ما يوازي تقريباً السعر الرسمي المُحدّد من وزارة الصناعة، ما يعني عملياً أنّ هذا الخيار لن يُحدِث فرقاً يُذكر في السوق، ولن يساهم في خفض الأسعار أو كسر الاحتكار ما لم يُرافقه تدخّل مباشر من الدولة بسياسة واضحة لإدارة هذا القطاع. ففي الأيام الماضية كانت هناك مطالب بزيادة الأسعار الرسمية لتنسجم مع ارتفاع الأسعار العالمية للنفط كونها أساس سعر الكلنكر، لكنّ وزير الصناعة لا يزال يتمهّل في ذلك كون الأسعار العالمية للنفط بدأت تنخفض وبالتالي لن يكون مُجدِياً رفع السعر الآن بينما الأسعار العالمية تنخفض.
رصد نيوز