الرئيسية / أخبار دولية / “فرصة تاريخية” بين دمشق وإسرائيل… الشيباني يمدّ يد الدبلوماسية

“فرصة تاريخية” بين دمشق وإسرائيل… الشيباني يمدّ يد الدبلوماسية



أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل قريبًا بشأن اتفاق أمني، داعيًا الجانب الإسرائيلي إلى اغتنام ما وصفه بـ«فرصة تاريخية»، ومؤكدًا أن سوريا تمد يدها إلى التفاهم والسلام والدبلوماسية، رغم إقراره بغياب الثقة بين الجانبين في المرحلة الحالية.



وقال الشيباني، في مقابلة مع وكالة «رويترز»، إن الأولوية السورية تتمثل في وقف الهجمات الإسرائيلية، معتبرًا أن الوصول إلى أي تفاهم يحتاج أولًا إلى خطوات لبناء الثقة ووقف العمليات العسكرية التي تستهدف الأراضي السورية.



وأضاف: «بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية جُمّدت المفاوضات، ونتمنى أن تعود في الفترة القريبة حتى نستكمل هذا الأمر»، مؤكدًا أن دمشق لا تزال ترى في المسار التفاوضي وسيلة للوصول إلى ترتيبات أمنية تفضي في نهاية المطاف إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق أواخر عام 2024.



لكن الشيباني لم يُخفِ حجم الهوة بين الطرفين، وقال بوضوح إن سوريا «لا تثق بإسرائيل حاليًا»، مشيرًا إلى أن قنوات الاتصال تعطلت بعد الغارة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور الجوية.



وأوضح أن دمشق ترى ضرورة في التواصل مع إسرائيل بحكم كونها جهة تشكل، وفق موقف الحكومة السورية، تهديدًا مستمرًا للأمن السوري، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مجرد وجود قناة اتصال لا يكفي إذا لم تؤدِ إلى نتائج ملموسة.



وقال الشيباني: «لا بد أن يكون هناك تواصل، خاصة مع جهة دائمًا تهدد أمن سوريا، لكن هذا التواصل إذا لم يأتِ بنتيجة فلا نريد هذا التواصل على الإطلاق».



وفي ما يتعلق بالدور الأميركي، أكد وزير الخارجية السوري أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتحرك بصورة متواصلة لدفع إسرائيل إلى العودة إلى طاولة الحوار وإنجاز الاتفاق الأمني، مشيرًا إلى أن واشنطن تمارس ضغوطًا في هذا الاتجاه.



وقال إن من الصعب الرهان على إسرائيل، إلا أن دمشق تمتلك «طموحًا كبيرًا جدًا» لبناء علاقة مستقرة مع محيطها، مضيفًا: «سوريا اليوم تمد يدها للتفاهمات، للسلام، للدبلوماسية، وتريد أن تكون المنطقة مستقرة».



وبحسب «رويترز»، كانت المفاوضات السورية الإسرائيلية قد أحرزت تقدمًا قبل تجميدها، ووصل الطرفان إلى مسودة اتفاق أمني تتضمن وقف إسرائيل عملياتها العسكرية في سوريا مقابل انسحاب تدريجي من مناطق دخلتها بعد عام 2024، إلى جانب ترتيبات تتعلق بمناطق عازلة وانتشار سوري وإشراف للأمم المتحدة قرب الحدود. إلا أن الحرب الإسرائيلية الإيرانية وما تلاها من توترات أعاقا استكمال الاتفاق.



وتحوّل ملف قاعدة أبو الظهور الجوية خلال الأيام الماضية إلى واحدة من أبرز العقد التي تهدد هذا المسار، بعدما استهدفت إسرائيل القاعدة بغارات جوية على خلفية مخاوف من احتمال تحولها إلى موقع للوجود العسكري التركي في سوريا.



وكشف الشيباني أن دمشق كانت قد أوصلت رسالة واضحة إلى إسرائيل قبل الغارات تؤكد فيها أن أبو الظهور لن تتحول إلى قاعدة تركية، إلا أن إسرائيل مضت في القصف رغم تلك التطمينات.



وتنفي دمشق وأنقرة وجود خطة لنشر قوات تركية في القاعدة، فيما تقول سوريا إن تعاونها العسكري مع تركيا يتركز على التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات، وهو نوع من التعاون الذي تقيمه دمشق أيضًا مع دول أخرى، بينها الأردن والسعودية.



وكان رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان جوفمان قد أجرى في 14 آب اتصالًا هاتفيًا نادرًا مع الشيباني، تناول بصورة أساسية المخاوف الإسرائيلية من تنامي الحضور العسكري التركي في سوريا، بما في ذلك إمدادات السلاح والطائرات المسيّرة والتدريب العسكري. وجاء الاتصال قبل أيام فقط من استهداف أبو الظهور.



وأظهرت تلك المكالمة أن مستوى التواصل بين دمشق وإسرائيل كان قد وصل إلى قنوات رفيعة نسبيًا قبل التصعيد الأخير، في مؤشر إلى حجم التحولات التي طرأت على المشهد السوري بعد وصول الإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع إلى السلطة.



غير أن الغارات الإسرائيلية أعادت العلاقات إلى دائرة التوتر. وقد وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك استهداف قاعدة أبو الظهور بأنه «تصعيد غير ضروري»، بينما بدأت واشنطن العمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وتركيا وإسرائيل، تجنبًا لانزلاق التوتر حول الوجود التركي إلى مواجهة عسكرية أوسع.



ويأتي ذلك في ظل تحول سوريا إلى ساحة تقاطع مصالح شديدة الحساسية. فتركيا عززت علاقتها بالإدارة السورية الجديدة وتؤدي دورًا كبيرًا في التدريب العسكري وإعادة بناء القدرات، بينما تنظر إسرائيل بقلق إلى أي تمركز عسكري تركي يمكن أن يحد من حرية حركتها الجوية أو يغيّر ميزان القوى داخل سوريا.



ومنذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وسّعت إسرائيل تحركاتها العسكرية داخل الجنوب السوري، ودخلت إلى مناطق جديدة وأقامت مواقع وحواجز، بالتزامن مع تنفيذ سلسلة غارات على منشآت ومواقع عسكرية سورية.



وتطالب دمشق بأن يتضمن أي اتفاق أمني انسحابًا إسرائيليًا من الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط النظام السابق، ووقف الغارات والعمليات العسكرية، باعتبار أن هذه الخطوات ضرورية لإعادة بناء الثقة وفتح الطريق أمام تفاهم أوسع.



ولا تعني المفاوضات المطروحة حتى الآن أن سوريا وإسرائيل تتجهان مباشرة إلى اتفاق سلام شامل، إذ يتركز المسار الحالي بصورة أساسية على اتفاق أمني وخفض التصعيد وترتيبات الحدود، بينما تبقى ملفات أكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها الجولان، خارج أي تسوية نهائية حتى الآن.



وبالنسبة إلى دمشق، يبدو الهدف المرحلي واضحًا: وقف الغارات، استعادة الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد عام 2024، تثبيت سيادة الدولة على الجنوب، ثم الانتقال إلى بحث علاقة أكثر استقرارًا مع المحيط.



أما إسرائيل، فتربط أي ترتيبات جديدة بضمان عدم ظهور تهديدات عسكرية قرب حدودها، ولا سيما تلك المرتبطة بالحضور التركي أو بنقل أسلحة متطورة إلى الجيش السوري، وهو ما جعل ملف أبو الظهور اختبارًا مباشرًا لمدى قدرة الطرفين على بناء الثقة.



وبين دعوة الشيباني إلى «اغتنام الفرصة التاريخية» وإقراره في الوقت نفسه بأنه لا يثق بإسرائيل، تبدو العلاقة السورية الإسرائيلية أمام مفارقة واضحة: باب الدبلوماسية مفتوح، لكن أي تقدم فيه بات مرتبطًا بما سيحدث على الأرض أولًا.



فالرسالة السورية الجديدة لا تغلق باب التسوية، بل تضع شرطًا عمليًا أمامها: إذا أرادت إسرائيل تفاهمًا مستقرًا مع دمشق، فعليها، وفق الموقف السوري، وقف الغارات والعودة إلى طاولة المفاوضات وتحويل الاتصالات من مجرد قنوات لمنع التصعيد إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

شاهد أيضاً

أسعد الشيباني: على إسرائيل مراعاة مخاوف سوريا الأمنية

قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في حديث صحافي، إن سوريا وافقت خلال المفاوضات على …